أحمد بن علي القلقشندي

130

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

أترابه ؛ ومن ائتمنهم على أسرار الوحي والتّنزيل ، وخاطب بألسنة أقلامهم ملوك الأرض فأجابوا بالإذعان على البعد والمدى الطَّويل ؛ وكتب الملوك أيضا إليه ابتداء وجوابا ، وكاتب أصحابه وكاتبوه فأحسن استماعا وأفحم خطابا ، وبذلك جرت سنّة الخلفاء الراشدين فمن تلاهم ، وعلى نهجه مشت ملوك الإسلام ومن ضاهاهم . فالكتابة قانون السّياسة ، ورتبتها غاية رتب الرّياسة ؛ عندها تقف الإنافة ، وإليها تنتهي مناصب الدّنيا بعد الخلافة ؛ والكتّاب عيون الملوك المبصرة وآذانهم الواعية ، وألسنتهم النّاطقة وعقولهم الحاوية ، بل محض الحقّ الذي لا تدخله الشّكوك ؛ وإن الملوك إلى الكتّاب أحوج من الكتّاب إلى الملوك ؛ وناهيك بالكتابة شرفا ، وأعل بذلك رتبة وكفى ، أنّ صاحب السّيف والعلم يزاحم الكاتب في قلمه ، ولا يزاحم الكاتب صاحب السّيف والعلم في سيفه وعلمه . وعلى الجملة فهم الحاوون لكلّ وصف جميل ، وشأن نبيل ؛ الكرم شعارهم ، والحلم دثارهم ، والجود جادّتهم ، والخير عادتهم ، والأدب مركبهم ، واللَّطف مذهبهم ؛ وللَّه القائل : وشمول كأنّما اعتصروها من معاني شمائل الكتّاب ! فلما انقضى قيله ، وبانت سبيله ، قلت : لقد ذكرت قوما راقني وصفهم ، وشاقني لطفهم ، ودعاني طيب حديثهم ، وحسن أوصافهم ، وجميل نعوتهم ، إلى أن أحلّ بناديهم وأنزل بواديهم ، فأجعل حرفتهم كسبي ، وصنعتهم دأبي ، ليجتمع بالعلم شملي ، ويتّصل بالاشتغال حبلي ، فأكون قد ظفرت بمنيتي ، وفزت ببغيتي ، فأي قبيل من الكتّاب أردت ؟ وإلى أيّ نوع من الكتابة أشرت ؟ أكتابة الأموال ؟ أم كتابة الإنشاء والخطابة ؟ ، أم غيرهما من أنواع الكتابة ؟ فنظر إليّ متبسّما ، وأنشد مترنّما : قوم إذا أخذوا الأقلام من غضب ثم استمدّوا بها ماء المنيّات